ثقافة الاستراحات في مجتمعنا: بين واجب التقدير وضريبة الإحراج
الكاتب / مليح الرويلي
مقدمة: مكانة المجلس في وجداننا
نشأنا في مجتمع يقدّر "المجلس" ويجعله مدرسة للرجال، وفي بيئتنا المعاصرة أصبحت "الاستراحة" هي الامتداد لهذا الموروث. هي المكان الذي يجتمع فيه الأصدقاء على الصدق والمودة، حيث يُحفظ للغايب عذره ويُعطى للحاضر قدره. لكن هذه البيئة، على جمالها، قد تشوبها أحياناً بعض التصرفات التي تسيء لأدب المجالس المتعارف عليه.
أولاً: وهم الحضور وإحراج المسافر
من أغرب الظواهر التي قد تواجهها في "الاستراحة" هي ادعاء أحدهم بوجودك الدائم في المكان بينما الواقع يثبت غيابك بسبب سفر أو انشغال. أن يقف شخص ليؤكد أمام الجميع: "أشوفك كل يوم" لشخص عاد للتو من سفره، هو ليس مجرد خطأ في الذاكرة، بل هو نوع من "الإحراج الاجتماعي" غير المبرر. هذا الادعاء يضع العائد في حيرة، ويحوله من ضيف يُستقبل بالحفاوة إلى طرف في جدال لإثبات حقيقة غيابه.
ثانياً: عندما تتجاوز "الميانة" حدود الأدب
في مجتمعنا، نعتز بـ "الميانة" (العلاقة القوية)، لكنها في العرف الأصيل لا تعني أبداً استباحة خصوصية الآخرين أو مضايقتهم. أن يتجرأ شخص على إحراجك أو محاولة "إقامتك" من مجلسك بناءً على تصورات وهمية، هو خروج عن بروتوكول الاحترام المتبادل. فالمسافر العائد يحمل معه تعب الطريق وشوق اللقاء، وأقل ما يستحقه هو تقدير ظرفه لا مواجهته بادعاءات تفتقر للمصداقية.
ثالثاً: الصدق هو عملة المجالس
الاستراحة الحقيقية هي التي تُبنى على الوضوح؛ فالرجال يعرفون بعضهم بصدق أقوالهم ودقة أفعالهم. ومن يحاول اختلاق مواقف أو ادعاء رؤية من لم يره، إنما يكشف عن رغبة زائفة في لفت الأنظار، مما يهز صورته أمام رفاقه. رد الاعتبار في هذه المواقف لا يحتاج لكثير عناء، فالحقيقة شمس لا تغطى بمنخل، والجميع في نهاية المطاف يدرك الصادق من المدعي.
الخلاصة:
ستبقى الاستراحات واحة للأنس والترابط، شريطة أن تُصان بآداب المجتمع القائمة على الصدق والاحترام. إن إكرام العائد وحفظ غيبة الغائب والابتعاد عن "الهياط" الزائف هي التي تعطي للمجالس هيبتها وللرجال مكانتهم.





.jpg)

.jpg)
.jpg)








.jpg)


.jpg)
