إيّاكم ومحدثي النعم

سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
قبل سنتين زُفَّ إليّ بشرى لإحدى الصديقات بتحقق حلمها الذي شاب شعرها لتصل أخيراً له وهو حصولها على الدكتوراة من الخارج وقد سعدت لدرجة أني ومع بقيّة الصديقات اعددنا لها حفل جميل محفوفاً بهدية فاخرة احتفاءً بها وبإنجازها وقد كان تجمعنا بها قديماً صداقة وعشرة استمرت سنوات طويلة يلفها المودة والمحبة وأخوة تشاركنا بها الأفراح والأتراح وكانت نعم الأخت والصديقة والبلسم عند معاناة احدانا وروح مستبشرة عند اشتداد الكروب وكانت الأقرب لقلبي حتى احللتها منزلة الأخت بالدم فشهادتي فيها مجروحة لهذا . حضرت متأخرة وعذرها هو شفاعة قلبي لها حتى لو لم تعتذر واصلاً لم تعتذر في الواقع . وكانت حاضرة بجسدها وليست حاضرة بروحها المألوفة ، شاركناها في هذا الحفل فرحتنا ولم تشاركنا فرحتها فقد كانت الغائبة الحاضرة مما دعاني إلى النظر والتأمل طويلاً فيها علنّي أجد تفسيراً لم حدث لها من تغيّر وكأنها شخصاً لا اعرفه بتاتاً ؟ فرأيت منها امتعاض المغصوبة بحضورها يعلو ثغرها ضحكة مصطنعة لا لون لها ولا طعم ولغة جسدها متململة تتحرك بتثاقل المهموم وتنظر بفتور اللا مبالاة وعدم الاهتمام نافرة ومنفرة بجسدها الخالي من روح الصديقة والأخت الحنونة التي نعرفها لسانها لا يتحرك بشكر او مدح او اعجاب او ثناء لصديقات العمر فقط يدور لسانها طوال تلك الليلة بجملة واحدة لم أُميّز فيها إلا كلمة ( أنا ) تتكرر منها بشكل مزعج للأذن . ومجدداً شفع لها قلبي واعملت عقلي لتفسير ما أراه منها لأخرج بشفاعة أخرى وهي أن تصرفها نابع من فرحتها الشديدة بإنجازها الذي تحقق رغم الصعاب والتضحيات ، ولكن في قلبي عراكاً يتزايد كل ما مر الوقت وقاربت ليلة الإحتفاء على الإنتهاء ويعارك هاجس كريه وتمنيت أن لا يكون هذا الهاجس هو المبرر لأفعالها وما لمسناه منها . وادعو الله أن ما أصابها هو غرور محدثي النعمة واقصد بها ( نعمة العلم والحصول على درجة الدكتوراة ) وقلت لنفسي أيكون لغة جسدها افصحت واسفرت عن كبر وغرور لا يمكن أن أصدق أن تصاب به ، أيعقل أن تتبدل تلك البلسم الحنون إلى انسانه قُبحت بالغرور والكبر بسبب نعمة العلم أليس الأجدى أن يهذب المرء ويتوجه بالشكر والحمد لله ولمن ساندوها ؟ وبالفعل تفارقنا تلك الليلة ونحن ندعو لها بالتوفيق في سيرها الجديد واليوم وبعد سنتين لم نراها ولم نسمع صوتها ولم تحضر أي اجتماع أو مناسبة أو واجب لأيٌّ منّا فلا ترد على اتصال ولا تعتذر لهجرها صحبة عشرات السنين ويا للعجب تحقق ما كنت أخشاه والأعجب ما يصلنا من أخبار عنها في تعاملها وتعاملاتها وأحاديثها مع صحبتها الجديدة ممن يملكون مثل شهادتها وأعلى . أصبحت متعجرفة بعد ما كانت متواضعة ومنفرة بعد ما كانت محبوبة لا ترحم بعد ما كان حنانها لا حد له وقاسية لا ترأف ولا تشفق بعد ما كانت عنوان للود والرأفة والعطاء تلك التي نسمع عنها لا نعرفها . وحيدة بلا صداقات حقيقية حولها فقط تخيطها علاقات المنصب والمصالح والأعمال ، حياتها جافة وباردة وكئيبة حتى أسرتها هجرتهم وهجروها وتخلّوا عنها فلا يسأل عنها أحد ولا يرافقها أحد ولا يسأل عنها أحد . والحق أني أشفقت عليها واعتصر قلبي ألماً لحالها بالأخص اذا تذكرتها بالماضي وكأنها ماتت ونزعت روحها من جسدها والآن تعيش جسداً بلا روح والأسوأ أنها لا تدرك ما حلّ بها من سوء وتحاول الصمود وحيدة ويا أسفي على أمثالها من محدثي النعم على تنوعها فمحدثي نعمة الغنى بعد الفقر والجاه والعز بعد المذلة وغيرها والتي تكون رزق بعد حرمان كيف لا يشكرون الله على نعمه بنفع الناس وتقربهم وتفهمهم لمن حولهم ، فكيف يتبدل حالهم ويستعلون بأنعم الله على عباد الله ولا يخشون زوالها في لحظة ، وايقنت أنه تمحيص الله لعباده بالنعم وعرفت أن جنة من غير ناس ما تنداس وأن أقرب الأعمال لله هو أنفعها للناس .. واعلم انه ليس كل محدث نعمة فعل فعلتهم بالطبع . لذلك اتركوهم فهم لا يسمعون ضجيجنا ولا هتافنا ولا صراخنا المتعالي لتحذيرهم من مغبة الوحدة والسقوط من ذاكرة الناس للأبد ..


زهير بخش زهير بخش
محرر وناشر في شبكة نادي الصحافة السعودي

مدير تحرير صحيفة شبكة نادي الصحافة السعودي بالمنطقة الجنوبية

0  231 0

الكلمات الدلالية

آخر المعجبين بالخبر

اخبار مشابهة

اخبار مقترحة